صولة الفرسان وهواجس البصريين

هل تحتاج صولة الفرسان لصولة فرسان أخرى؟
خمساً عجاف مرت بمدينتنا الجميلة حولتها الى مدينة أشباح ودمار، شهدت البصرة خلال هذه الفترة المظلمة ويلات الدمار على يد العصابات الخارجة عن القانون، والمغامرين بالسياسة على حساب مصالح الشعب. صولة الفرسان أعادت الحياة لما كانت علية قبل "غزوة الخرفان" أي منذ ان سيطرت المليشيات والعناصر المسلحة على مؤسسات الدولة. ولسوء الطالع، لم تعالج صولة الفرسان الأسباب الحقيقة التي أدت "لخراب البصرة." حيث أن غزوة الخرفان لم تستولي أو تبيح المدينة بطريقة مفاجئة كثورة الزنج أو طوفان عام 1952، بل تكونت ببطء كرد فعل أكبر بكثير من الفعل وعاكسته بعنف ومن كل الأتجاهات! لقد كان قرار السيد رئيس الوزراء بتطهير البصرة من زمر القتل والتهريب هو أشجع قرار أتخذته الحكومة. ولولا هذه الصولة المباركة لما أستقرت الأوضاع الأمنية في بغداد والموصل. فالبصرة هي الشريان الذي يغذي العراق، والسيطرة على هذة الأرض الطيبة يعني السيطرة على العراق.

من الأسباب الرئيسية للحقبة السوداء التي كادت تحرق البصرة بما فيها هي الأهمال الواضح من قبل الحكومة المركزية لأحتياجات البصرة وتنمية أقتصادها. كان أبن البصرة يتطلع للمستقبل القريب الذي سيرفع المستوى المعيشي لعائلته ويستطيع أن يرسل أبنائه للدراسة في لندن والولايات المتحدة ويقضي أجازاته الصيفية في لبنان وقبرص. ويبدل دراجته الهوائيه "الهيرو" بمرسيدس حديثة ويتبرع بالـ "بنكات الأندولا" و "مبردات الهلال" للهند والفلبين ويشتري مكيفات الـ "سنترال" الحديثة لتثلج صيفه الحار! كان حلمه أن يخرج بأبنائه من تحت انقاض بيوت هدمتها قذائف "النمساوي في الثمانينات،" وشوارع هشمتها دبابات الحرس الجمهوري في التسعينات. أراد ابن البصرة ان يترك خلفه مسألة التهميش "البعثي" ودمار الحروب المتعاقبة. أراد أن يبدأ مرحلة البناء التي كانت تنتظرها البصرة منذ قدوم عتبة! أشتاق البصريين لمنظر "دوب حنا الشيخ" و "لنجات الهنود" التي كانت تملأ شط الأمير بالتوابل والأشياء النفيسة. وأشتاق سوق "المغايز" لأصوات الباعة وتجوال المتبضعين. وام البروم متشوقة لمزمار "تومان" الذي كان يطرب الساحة بروادها.
أنتظر البصريين تحقيق هذا الحلم الجميل، الذي يؤهلهم للسفر بدون خوف من فضاضة مراقبي الجوازات في الدول الشقيقة وأرجاعهم على نفس الطيارة للعراق وختم الجواز بالأحمر "مرفوض" لكي لا يجرأو بالسفر مرة أخرى. طال الأنتظار وتعطلت "البنكات" وأكل الماء المالح أركان "المبردة" ولم يتغير شئ، حتى الأدوات الأحتاطية للـ "بايسكلات" أنقطعت والـ "مصلح" حول الدكان الى محل لبيع الأسلحة النارية. عمال السكك توقفوا عن العمل لعدم وجود القطارات التي توقفت صفاراتها منذ سقوط النظام. وعمال ميناء المعقل مازالوا يحلمون بقدوم "مزهر الشاوي" على ظهر حصان أبيض لفتح بوابة "نمرة اربعة" التي أغلقت أبوابها عام 1980. وعمال البناء يملأون المقاهي بأنتظار "أمين أنعيم" ليبني لهم معقلاً آخر خلف حدود الأفق ويعودوا لأبنائهم آخر النهار بسلال الرطب والرقي من محل "حجي أمجوت" وصمون "أبو علي." أما عمال المسفن والسايلو فقد تركو أعمالهم لعدم وجود أماكن للعمل، فأبطال "الحواسم" حولوا هذه المؤسسات لصحراء جرداء. طال الأنتظار وأزدادت الوعود ولم يرى أبن البصرة سوى التغييرات التي أصابته بالذهول! فعمال ميناء أم قصر وخور الزبير الذين ليس لديهم أنتمائات حزبية قد أستبدلوا بأشخاص أكثر حباً للعراق برغم قلة خبرتهم وعدم كفائتهم "حسب رأي أحد زعماء الميليشيات." أصبح التعيين مرتبط بالأنتماءات الحزبية أو بدفع مبلغ يعادل الدخل السنوي للوظيفة. لم يجد أبناء البصرة من يحتضن مواهبهم ويستثمر عطائاتهم فاصبح التسكع والبطالة هو سبيلهم الوحيد. شط الأمير لم يكتظ بالدوب واللجنات، انما تحول لنفق رمي القمامة والقاذورات، ودفنت الدوب التي كانت تحلم برؤية البحر مرة أخرى. سوق المغايز تحول لبؤرة للـ "علاسة" والعصابات، ولم يعد زواره ومحبيه يأتون الية في مطلع كل أسبوع. أما مزمار تومان فقد أختنق بعبراته وأختفى من دهاليز العشار. ترى هل أصبح تومان فريسة للفوهات المتعطشة للدماء ام حزن السوق الكئيب كأعواد الجذوع المحترقة قد قتل تومان؟

حرارة الجو في البصرة تصل الى المئة والأربعين ورطوبة البصرة تتحول الى "السونا" حيث تتحول البيوت الى أفران تطهي ساكنيها على نار هادئة. فيصبح الجلوس خارج المنزل أفضل بكثير من الداخل، فيخرج الشباب ليجلسوا فى ضل البيوتات ويتفرجوا على السيارة "البطة" التي أشتراها "أبو مرتضى"والذي ينعم بسبات عميق من "السبلت" الذي أشتراه حديثاً والمولد الأنكليزي الذي جاء به "لوري ابو الكرين الحرامي" التابع للبلدية. في الشارع المقابل يركن بيت "ابو محمد" الذي ترك أنتظار "مزهر الشاوي" على بوابة الرصيف وأشتغل مع "أبو مرتضى" منذ أسابيع، حصل اليوم على سيارة "بروتون" جديدة. وسحب له "عشر امبيرات" لينعم بنوم الظهيرة لأن "أبو مرتضى" يحب لأخيه ما يحب لنفسه. قرر الشبان أن يعملو مع أبو محمد ليحصلوا على سيارة وكهرباء. في رأي علاء، السيارة غير مهمه، مجرد هواء بارد لأمه التي تعاني من مرضاً عضال يكفي ليضحي من أجلها. أما أحمد فهو بحاجة لـ"خمس ورقات" ليحصل على وضيفة، بأستطاعته الحصول على المبلغ بالعمل مع الجماعة! وهكذا وجد الشباب من يوضفهم في "المكان الغير مناسب" لكن لا يهم لأن الجيوب مملؤة والكل يهابهم! بدأ الشباب العمل بالتهريب والخطف وأخذ الأموال من أصحاب المحلات ومن مدراء دوائر الدولة. وهكذا أستولت "غزوة الخرفان" على البصرة وخيراتها وأهلها الطيبين.

جائت "صولة الفرسان" لتنهي هذا التسيب وتقضي على العصابات الأجرامية وتحرر الموانئ والأماكن العامة وتكسر حاجز الخوف الذي بناه المجرمون. وتعيد البصريين لأحلامهم الجميلة التي قمعتها "غزوة الخرفان." مر الآن عدة شهور على صولة الفرسان، والبصريين الشباب يتمتعون بالأمن والخروج للأسواق لساعات متأخرة ويحتسون الأقداح على الكورنيش برفعها للأعلى "بصحة المالكي" ليعبروا عن أمتنانهم لرئيس الوزراء بأرجاع حرياتهم المغتصبة! لكن كبار السن ينظرون بريبة لما يحدث، فهم يملكون من الأحداث السابقة مايكفي ليستقرأو المستقبل. فقمع ثورة مايس لم يوقف رفعت الحاج سري ورفاقه من القيام بثورة 1958. وسحل الملك فيصل الثاني لم يرفع الظلم عن الفقراء، وثورة 1968 لم تنهي القمع البعثي بل جلبت الأسوأ. فالبطالة وتجمع الشباب في ضلال البيوت عند الظهيرة لا ينبأ بالخير ابداً.
مازالت الحيانية تعاني من أنقطاع التيار الكهربائى المستمر. وعدم توفر مياه الشرب. لم يتغير شيئاً في هذة المدينة المناضلة والتي سجل لها التأريخ أول رصاصة أطلقت لتعلن أنتفاضة آذار أو الأنتفاضة الشعبانية. مازال شباب الحيانية عاطلين عن العمل. ومازال أهل الحيانية يذوبون في حرارة الصيف وترتجف أعضائهم من برودة "الجلة" دوريات الجيش والشرطة تجول في شوارع الحيانبة، ويشكي السكان من قسوة رجال الأمن.
القبلة تذكرني بمدينة البندقية الجميلة والتي يتنقل سكانها بالقوارب!الفرق بين المدينتين هو واحدة تحيط بها مياة الأبيض المتوسط الزرقاء والثانية تحيط بها مياه المجاري الآسنة. البندقية يسكنها الأثرياء والفنانون والقبلة يسكنها الفقراء والمسحوقين. لاماء ولا كهرباء. شبانها يعانون من البطالة، وسوء معاملة رجال الأمن وعدم توفر أبسط مقومات الحياة. هذه المدينة كانت ثاني مدينة بأنتفاضة آذار 1991، واكثر مدينة قمعت في أنتفاضة 1998.
الجمهورية والأصمعي والخندق وأبو الخصيب وكافة مناطق البصرة تعاني مما يعاني أهل القبلة والحيانية. فصولة الفرسان تحتاج لصولات وفرسان كثيرين أذا لم تحقق الحكومة وعودها بانشاء مشاريع بناء وتوضيف أبناء المدينة وتحقيق أحلام الناس. تبليط شارع في المعقل لا يعني شيئاً لأهل المعقل. بل توفير الكهرباء والماء وتوضيف أبناء المدينة سينقذ البصرة من "غزوة خرفان" قد تكون أكثر ضراوة من السابقات. فالبصرة غرقت وحرقت ودمرت على مرور التأريخ، علينا أن نتعظ من السابق ولا نقع في نفس الأخطاء.
قصي البصري
7/26/2008
امان البصرة واستقرارها لايتحقق اذا مالم يتحدو البصريون وينضروا بصورة واقعية الى تغيير حياتهم الذين يحكمون البصرة الان هم الذين حرمو مدينة الحيانية والجمهورية وسرقوا خيراتهم نحتاج الى قيادة جديدة من ابناء البصرة..
حيدر الامير